التعريف بالقطاع

يعد نشاط التأجير التمويلي إحدى الأدوات التمويلية المهمّة في السوق الفلسطيني، لما يوفره من بدائل تمويلية مرنة تسهم في تمكين المؤسسات والأفراد من اقتناء الأصول الإنتاجية والتشغيلية دون الحاجة إلى تملّكها الفوري.  وقد شهد هذا النشاط اهتماماً متزايداً خلال الفترة الماضية، نظراً لدوره في دعم القطاعات الاقتصادية المختلفة وتعزيز الاستثمار وتحسين كفاءة استخدام رأس المال.  ويخضع نشاط التأجير التمويلي لرقابة وتنظيم هيئة سوق رأس المال الفلسطينية، بما يضمن التزام الجهات العاملة فيه بأحكام القوانين والأنظمة والتعليمات النافذة، وبما يعزز الشفافية وحماية حقوق أطراف العلاقة، ويسهم في تحقيق الاستقرار والسلامة المالية للقطاع.

 

وتأتي رقابة الهيئة على هذا القطاع في إطار اختصاصها المنصوص عليه في قانونها رقم (13) لسنة 2004، والقرار بقانون رقم (6) لسنة 2014 بشأن التأجير التمويلي، الذي يُشكّل الإطار التشريعي الناظم للعلاقات التعاقدية والمهنية بين الجهات المختلفة في هذا المجال.

 

وتبرز أهمية التأجير التمويلي في دوره في تحسين كفاءة استخدام الموارد المالية وتعزيز القدرة الاستثمارية للمؤسسات، لا سيما في ظل التحديات المرتبطة بمحدودية التمويل التقليدي؛ إذ يساهم هذا النشاط في تخفيف الأعباء التمويلية المباشرة، وتحسين السيولة النقدية، وتمكين المؤسسات، وبخاصة الصغيرة والمتوسطة، من تحديث أصولها ورفع كفاءتها التشغيلية وقدرتها التنافسية.  وعلى المستوى الاقتصادي الكلي، يسهم التأجير التمويلي في تحفيز الاستثمار وزيادة الإنتاجية ودعم النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل، بما يعزز الاستقرار المالي والتنمية الاقتصادية المستدامة.

 

يُظهر هيكل السوق المحلي تنوعاً في نماذج الشركات العاملة، بين شركات مستقلة وأخرى تابعة لموردي الأصول، في حين لم يتم حتى اللحظة إنشاء أي شركة تابعة لمؤسسة مالية، كما تنقسم الشركات المرخصة إلى شركات تقدم التأجير التمويلي التقليدي وأخرى تقدم التأجير التمويلي المتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، ما يعكس قابلية هذا القطاع للنمو ومرونته في تلبية احتياجات فئات مختلفة من المستفيدين.

 

وتتركز أنشطة التأجير التمويلي حالياً في مجال الأموال المنقولة، وتحديداً المركبات والمعدات، في ظل غياب التمويل للأصول غير المنقولة.  ومع ذلك، فإن الفرصة لنمو هذا المنتج وتطوره أصبحت كبيرة، لا سيما مع صدور القرار بقانون بشأن ضريبة القيمة المضافة للعام 2024، الذي يُشجّع على التمويل في القطاع العقاري، إلى جانب العمل المتواصل مع سلطة الأراضي على إصدار تعليمات تسجيل الأموال غير المنقولة المؤجرة تأجيراً تمويلياً، وهو ما يُعد من أولويات الهيئة ويتوقع صدورها مطلع العام 2026.

 

أما من حيث المنافسة، وبالاستناد إلى مؤشر هيرفندل-هيرشمان (Herfindahl-Hirschman Index – HHI) لإجمالي الاستثمار في قطاع التأجير التمويلي، فإن الوضع التنافسي في القطاع يُعد متوسطاً.  وقد شهد العام 2025 تراجعاً في هذا المؤشر، حيث بلغت قيمته 1854 نقطة، مقارنة بـ1675 نقطة في العام 2024، ما يدل على استقرار نسبي في مستوى المنافسة داخل القطاع.

 

تواصل هيئة سوق رأس المال الفلسطينية الاضطلاع بمسؤولياتها التنظيمية والرقابية، انطلاقاً من رؤية تستهدف ترسيخ قطاع مالي غير مصرفي أكثر مرونة وشمولية واستدامة، وبما ينسجم مع التوجهات الاستراتيجية للهيئة، وتوسيع نطاق استخدام الحلول الرقمية والتكنولوجيا المالية، وتطوير منتجات تمويلية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، وتعزيز متانة واستدامة القطاعات المالية غير المصرفية الخاضعة لإشراف الهيئة، بما يدعم دورها في دفع عجلة التنمية الاقتصادية.

 

وعلى الرغم مما يتمتع به نشاط التأجير التمويلي من مزايا، فإنه يواجه عدداً من التحديات، من أبرزها المخاطر الائتمانية المرتبطة بالتزام المستأجرين، والتحديات القانونية والإجرائية المتعلقة بتسجيل ورهن الأصول المؤجرة، وتنفيذ الحقوق عند التعثر، إضافة إلى تأثر النشاط بالظروف الاقتصادية العامة، الأمر الذي يستدعي استمرار تطوير الأطر التنظيمية والرقابية، وتعزيز ممارسات إدارة المخاطر والإفصاح، بما يضمن سلامة هذا النشاط واستدامته، وحماية حقوق جميع الأطراف ذات العلاقة.

 

وفي هذا السياق، كثّفت الهيئة، من خلال دورها الرقابي والإشرافي، جهودها في حث الشركات العاملة في قطاع التأجير التمويلي على تعزيز أنظمة إدارة المخاطر، وتحسين إجراءات الدراسة الائتمانية، واتباع سياسات تحفظ التوازن بين النمو والسلامة المالية.  كما أصدرت الهيئة قرار ضوابط تنظيم رهن الأصول المؤجرة في عقود التأجير التمويلي رقم (3) لسنة 2025.  وقد احتوى القرار على مجموعة من الأحكام لتنظيم عملية الرهن للأصول المؤجرة تأجيراً تمويلياً، وتنظيم استخدام الرهن على الأصول، وذلك حماية للمستأجرين، وضماناً لعدم إثقال الأصول الممولة بالتأجير التمويلي بالرهن، على الرغم من سداد المستأجر التزاماته وحقه في نقل الملكية له في نهاية مدة العقد.  وإلى جانب ذلك، تعمل الهيئة على تطوير مشاريع تنظيمية إضافية، من بينها إعداد معايير حماية المستهلك، ومتطلبات كفاية رأس المال لشركات التأجير التمويلي، بما يعزز متانة القطاع، ويرفع مستوى الثقة فيه، ويواكب أفضل الممارسات الرقابية.