يُعد قطاع التأمين إحدى الركائز الحيوية للاقتصاد الفلسطيني، لما له من دور محوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتعزيز مفاهيم الأمان والتكافل المجتمعي. ومن خلال العلاقة التعاقدية التي تربط بين المُؤمِّن والمؤمَّن له، يضطلع التأمين بوظيفة مزدوجة ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية؛ إذ يوفر الحماية من المخاطر، ويُعد أداة فعالة لتجميع رؤوس الأموال، وعنصراً أساسياً في العملية الإنتاجية، ما يساهم في تحفيز النمو وتعزيز صمود الاقتصاد الوطني.
وقد شهد قطاع التأمين في فلسطين خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً، سواء من حيث التوسع في حجم المحفظة التأمينية، أو من حيث تنوّع وجودة الخدمات التأمينية المقدمة للجمهور. ويستمر هذا القطاع في النمو والتكيف، على الرغم من التحديات المتزايدة، ليؤكد مكانته كرافد مستقر وفعّال في منظومة الاقتصاد الفلسطيني.
ويخضع قطاع التأمين لإشراف ورقابة هيئة سوق رأس المال الفلسطينية بموجب قانون الهيئة رقم (13) لسنة 2004، وقانون التأمين رقم (20) لسنة 2005، حيث تتولى الإدارة العامة للتأمين تنفيذ هذه المهام، من خلال مراقبة أداء شركات التأمين، وضمان التزامها بالتشريعات والأنظمة والتعليمات النافذة. وعلى الرغم من التحديات الإقليمية والمحلية الصعبة التي طغت على المشهد خلال العام 2024، وعلى رأسها استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما نجم عنه من دمار واسع وآثار إنسانية واقتصادية عميقة، إضافة إلى التوترات الإقليمية في اليمن ولبنان وبقية دول الجوار، التي أثرت سلباً على مناخ الاستثمار والثقة الاقتصادية، فإن قطاع التأمين الفلسطيني أظهر مرونة ملحوظة وقدرة على التكيف وتحقيق نتائج إيجابية.
وقد بلغ إجمالي الأقساط التأمينية المُحصّلة في السوق الفلسطيني 383 مليون دولار أمريكي خلال العام 2024، مقارنة بـ 398 مليون دولار في العام 2023؛ أي بانخفاض نسبته 4%، ويُعزى هذا الانخفاض، بشكل رئيسي، إلى ضعف القدرة الشرائية، وبخاصة في المناطق المتأثرة بالحرب، وتراجع النشاط الاقتصادي عموماً. في المقابل، ارتفعت قيمة التعويضات المسددة من قبل شركات التأمين للمستفيدين من التغطيات التأمينية إلى 259.9 مليون دولار، مقارنة بـ 257.7 مليون دولار في العام السابق، محققة ارتفاعاً نسبته حوالي 1%.
أما على صعيد الأرباح الصافية، فقد سجّلت شركات التأمين أرباحاً بلغت 15.9 مليون دولار أمريكي في العام 2024، مقارنة بـ 7.1 مليون دولار في 2023، بنسبة نمو بلغت 123%، ويُعزى هذا التحسن الكبير إلى عوامل عدة، أبرزها:
وفيما يتعلق بالمؤشرات الفنية:
تعكس هذه المؤشرات قدرة منظومة التأمين الفلسطينية على الصمود والاستجابة، وتحقيق التوازن بين الحماية التأمينية والاستدامة المالية، حتى في ظل بيئة إقليمية ومحلية تتسم بعدم الاستقرار والتقلبات المستمرة.
السنة | إجمالي الأقساط (بالمليون دولار أمريكي) | عدد السكان (بالمليون نسمة) | إجمالي الناتج المحلي الخام (بالمليار دولار أمريكي) | معدل الإنفاق الفردي على التأمين (بالدولار الأمريكي) | نسبة التأمين في الناتج القومي الخام (%) |
2020 | 303,244,103 | 4.8 | 15.561 | 58.72 | 1.95 |
2021 | 363,019,897 | 5.2 | 18.036 | 64.55 | 1.89 |
2022 | 396,012,710 | 5.4 | 19.112 | 73.08 | 2.07 |
2023 | 398,033,735 | 5.5 | 17.396 | 71.22 | 2.29 |
2024 | 383,555,711 | 5.5 | *10.914 | 69.74 | 3.51 |
*وفقاً للبيانات المقدرة الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
الأصناف والفروع | 2022 | 2023 | نسبة التطور (%) 2022/2023 | 2024 | نسبة التطور (%) 2023/2024 |
تأمين المركبات | 274,437,047 | 269,831,483 | -0.02 | 266,692,758 | -0.01 |
تأمين العمال | 30,231,348 | 25,872,492 | -0.14 | 27,736,952 | 0.07 |
التأمين الصحي | 40,806,747 | 43,587,176 | 0.07 | 38,573,866 | -0.12 |
تأمين المسؤوليات المدنية | 5,170,864 | 6,251,140 | 0.21 | 5,474,850 | -0.12 |
تأمينات أخرى | 8,452,926 | 11,883,278 | 0.41 | 7,484,801 | -0.37 |
تأمين الحريق | 18,579,776 | 20,331,383 | 0.09 | 17,948,637 | -0.12 |
التأمين البحري | 1,938,222 | 2,679,045 | 0.38 | 2,018,502 | -0.25 |
التأمين الهندسي | 7,764,396 | 8,521,222 | 0.10 | 7,530,165 | -0.12 |
تأمين الحياة | 8,631,384 | 8,468,182 | -0.02 | 9,824,793 | 0.16 |
التأمين الزراعي | 0 | 608,335 | 0 | 270,388 | -0.56 |
إجمالي الأقساط | 396,012,710 | 398,033,735 | 0.01 | 383,555,711 | -0.04 |
السنوات | 2018 | 2019 | 2020 | 2021 | 2022 | 2023 | 2024 |
الأقساط | 279,370,598 | 302,509,068 | 303,244,103 | 363,019,897 | 396,012,710 | 398,033,735 | 383,555,711 |
التعويضات المدفوعة | 166,307,996 | 182,660,629 | 179,630,303 | 227,977,187 | 255,872,881 | 257,690,889 | 259,940,376 |
التحديات التي واجهها قطاع التأمين خلال العام 2024
شهد قطاع التأمين الفلسطيني خلال العام 2024 تحديات كبيرة تأثرت بها معظم القطاعات الاقتصادية، نتيجة تطورات سياسية وأمنية واقتصادية بالغة الصعوبة. فقد أدّى استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى شلل شبه تام في النشاط الاقتصادي داخل القطاع، الأمر الذي انعكس على مجمل أداء الاقتصاد الفلسطيني.
وفي الضفة الغربية والقدس، تسببت الاجتياحات المتكررة، وقيود الحركة، والإغلاقات المفروضة بين المحافظات، إلى جانب تسريح أكثر من 90% من العاملين الفلسطينيين في الداخل المحتل والمستوطنات، في ضغوط معيشية واقتصادية كبيرة. كما أسهم منع فلسطينيي الداخل من دخول مدن الضفة الغربية في تراجع النشاط التجاري.
على الصعيد المالي، استمر الاحتلال الإسرائيلي في اقتطاع أجزاء من عائدات المقاصة، حيث بلغت القيمة التراكمية للاقتطاعات حوالي 5.68 مليار شيكل حتى نهاية 2024، بما في ذلك المبالغ المخصصة لرواتب موظفي قطاع غزة، ما قيد قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها تجاه القطاعين العام والخاص. وتزامن ذلك مع تراجع حاد في الدعم الخارجي، أسفر عن انكماش اقتصادي في الضفة الغربية، حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1% في الربع الرابع من العام 2024 مقارنة بالربع نفسه من العام السابق.
لم يكن قطاع التأمين بمنأى عن هذه التطورات، حيث سجّل تراجعاً في الأقساط المكتتبة لتأمين المركبات بنسبة 1% خلال الربع الرابع من العام 2024 مقارنة مع الفترة نفسها من 2023. كما تأثرت السيولة النقدية لشركات التأمين نتيجة انخفاض قيمة الشيكات المعادة إلى 1.4 مليار دولار في 2024، مقابل 1.5 مليار دولار في 2023، وهو ما يعكس تأثير تراجع قدرة الأفراد والمؤسسات على السداد، وبخاصة في ظل الاعتماد على البيع الآجل للأقساط التأمينية.
رغم هذه التحديات المركّبة، أظهر قطاع التأمين الفلسطيني مرونة واستقراراً نسبياً، الأمر الذي يعزز أهمية الدور الرقابي والتوجيهي للهيئة، ويدعو إلى مزيد من الخطوات لتعزيز صمود السوق وتحفيز نموه.